ملا محمد مهدي النراقي

102

جامع السعادات

في الآخرة استنارة محتاجة إلى الظهور ، ثم إلى زيادة الاستكمال والإشراق وأن أختص حصول نعم للآخرة وأنوارها وابتهاجاتها على النعم التي تزود من أصلها ولم يحصل للعبد ما لم يكتسب في الدنيا أصله من الأنوار والابتهاجات ، فيكون ترقي العبد في الآخرة في ازدياد الابتهاج والإشراق فيما حصل له أصله ، وعلى هذا ، فربما انتهى إلى حد ووقف هناك ولا يتضاعف ، وقوله تعالى : ( نورهم يسعى . . . إلى آخر الآية ) يحتمل لهذا المعنى أيضا ، بأن يكون المراد طلب إتمام نور تزود من الدنيا أصله . ( قيل ) : وقوله تعالى : ( أنظرونا نقتبس من نوركم قيل أرجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) ( 8 ) : يدل على أن الأنوار لا بد أن يتزود أصلها في الدنيا ، ثم يزداد في الآخرة إشراقا ، فأما أن يتجدد نور لم يكتسب أصله في الدنيا فلا . ثم لا يخفى أن تعيين الأصل والفرع الأنوار والابتهاجات ومراتب الآخرة عندنا مشكل ، وليس لنا طريق إلى القطع بأن أي شئ أصل لأي نور وبهجة ، وربما كان المضنون عندنا : إن أصل كل نور وسعادة وبهجة هو اليقين القطعي الإجمالي بأن الواجب سبحانه في غاية العظمة والجلال والقدرة والكمال ، وأنه تام فوق التمام ، وكل ما سواه من المهيات الموجودة صادرة عنه على أشرف أنحاء الصدور وأقواها وأدلها على العظمة ، وأنه لا موجود ولا شئ إلا الواجب وصفاته وأفعاله ، وإن ذاته الأقدس ذات لا يمكن أن يكون لذهن من الأذهان العالية ، ولا لمدرك من المدارك المتعالية عقلا كان أو نفسا أو غيرهما ، لو أمكن أن يكون مدركا ، أن يدرك في لحاظ التعقل ذاتا يمكن أن تكون فوقه أو مثله ، بل كلما تصور أجمالا فهو فوقه ، وكذا صفاته الكمالية وأفعاله ، وأن صفاته الكمالية : من عظمته ، وجلاله ، وقدرته ، وجماله ، وعلمه ، وحكمته ، وغير ذلك غير متناهية ، وليس لها حد وغاية ، وما تعلق به علمه من مخلوقاته لا نهاية له كثرة وقوة وكمالا ، وأن له من المراتب الغير متناهية من العظمة والجلال ما لا يطيق أشرف الموجودات وأقواها لإدراك أولها ، فمن عرف ذلك وتيقن به ، وعلم

--> ( 8 ) الحديد ، الآية : 13 .